أحمد بن محمود السيواسي
211
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
ويا صفية عمة محمد اشترين أنفسكن من النار ، فاني لا أغني عنكن من اللّه شيئا » « 1 » . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 215 إلى 216 ] وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) ( وَاخْفِضْ جَناحَكَ ) أي ألن جانبك وتواضع ( لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ 215 ] الذين يشارفون الدخول في الإيمان أو المؤمنين باللسان مطلقا بعد الإنذار عشيرتك وغيرهم ( فَإِنْ عَصَوْكَ ) أي خالفك الأقربين ولم يتبعوك ( فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) [ 216 ] من الشرك « 2 » وغيره من المعاصي ، فالفاء للجزاء . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 217 إلى 218 ] وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) قرئ بالواو عطفا على الجزاء وبالفاء « 3 » بدلا عنه قوله ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) [ 217 ] أي ثق به وفوض أمرك إليه فإنه يكفيك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم ، والتوكل تفويض الرجل أمره إلى مالك الأمور كلها القادر على النفع والضر ، والعزيز هو القادر للأعداء ، والرحيم هو الناصر للأولياء برحمته و ( الَّذِي يَراكَ ) وصف واتباع للرحيم بما هو سبب الرحمة ، وهو ذكر ما يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد ، أي الذي يراك ( حِينَ تَقُومُ ) [ 218 ] متهجدا أو إلى جميع مهامك . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 219 إلى 220 ] وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 ) ( وَ ) يري ( تَقَلُّبَكَ ) من قيام وركوع وسجود ( فِي السَّاجِدِينَ ) [ 219 ] أي المصلين إذا كنت إماما لهم في الصلاة أو المراد ب « السَّاجِدِينَ » وتقلبه فيهم المتهجدون من أصحابه وتصفح أحوالهم ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون كيف يعبدون اللّه وكيف يعملون لآخرتهم ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) بقولك ( الْعَلِيمُ ) [ 220 ] بفعلك ونيتك . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 221 إلى 222 ] هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 222 ) قوله ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ) [ 221 ] نزل حين قالوا أن الشياطين تلقي السمع على محمد « 4 » ، و « من » كلمة تضمنت الاستفهام ودخل عليها حرف الجر ، وحق الاستفهام أن يصدر في الكلام فيقال أعلى زيد مررت ولا يقال على أزيد مررت ، ولكن تضمنته ليس بمعنى أنه اسم فيه معنى الحرف ، بل معناه : أن الأصل أمن ، فحذف حرف الاستفهام واستعمل على حذفه كما يقال في « هل » أصله أهل ، ومعناه : أقد فإذا دخلت حرف الجر على من فقدر الهمزة قبل حرف الجر في ضميرك ، كأنك تقول أعلى من تنزل ( تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) [ 222 ] أي كذاب فاجر ، وهم الكهنة الذين كانت تسترق الجن السمع فتلقيه إليهم . [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 223 ] يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ( 223 ) ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) أي يقذف الجن إلى الكهنة ما يستمعون عن استراق السمع وهو في محل النصب على الحال أو في محل الجر صفة لكل أفاك ، لأنه في معنى الجمع ، ويجوز أن يكون مستأنفا ، أي هم يلقون السمع ( وَأَكْثَرُهُمْ ) أي الكهنة أو الشياطين ( كاذِبُونَ ) [ 223 ] لأنهم يخلطون معه كذبا كثيرا ، عن النبي عليه السّلام : « الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة » « 5 » ، وإنما قال « أكثرهم » لأن البعض قد يصدق .
--> ( 1 ) أخرج البخاري نحوه ، الوصايا ، 11 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 186 . ( 2 ) من الشرك ، ح و : - ي . ( 3 ) « وَتَوَكَّلْ » : قرأ المدنيان والشامي بالفاء ، وغيرهم بالواو . البدور الزاهرة ، 233 . ( 4 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 5 ) رواه مسلم ، السّلام ، 122 ، 123 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 187 .